جلال الدين الرومي
478
المثنوي المعنوي ( معرب الدسوقي )
وهكذا يعبر مولانا جلال الدين عن هذه الثنائية المتصارعة التي يعبر عنها كل الصوفية والتي تعد الميدان الحقيقي للتصوف بأن نصفه مَلاكَ والنصف الآخر حمار فالنصف الحمارى منجذب إلى عنصره أي أصله إلى شهوات الجسد والنصف الملائكى منجذب أيضا إلى الملأ الأعلى أما الصنفان الآخران فمتوافقان تماما ومستريحان من هذا الصراع وهؤلاء البشر لكي يمتحنوا قسموا إلى ثلاثة أقسام . إنهم جميعا متساوون في الشكل والصورة لكن متى كان حديثنا عن الشكل أو الصورة أو الظاهر ؟ ! ( 1506 - 1512 ) إن هؤلاء البشر مع أن أشكالهم وصورهم واحدة إلا أنهم منقسمون إلى ثلاثة أقسام : وهذا التقسيم موجود في القرآن الكريم « وَكُنْتُمْ أَزْواجاً ثَلاثَةً ، فَأَصْحابُ الْمَيْمَنَةِ ما أَصْحابُ الْمَيْمَنَةِ ، وَأَصْحابُ الْمَشْئَمَةِ ما أَصْحابُ الْمَشْئَمَةِ ، وَالسَّابِقُونَ السَّابِقُونَ ، أُولئِكَ الْمُقَرَّبُونَ » وأيضا « منهم ظالِمٌ لِنَفْسِهِ وَمِنْهُمْ مُقْتَصِدٌ وَمِنْهُمْ سابِقٌ بِالْخَيْراتِ » ، ( سبزوارى 4 / 292 ) والحديث الشريف في العنوان روى أيضا عن علي - رضي الله عنه - وعن عبد الله بن سنان قال : سألت أبا عبد الله جعفر بن محمد الصادق فقلت : الملائكة أفضل أم بنو آدم فقال قال على ابن أبي طالب - رضي الله عنه - إن الله ركب في الملائكة عقلا بلا شهوة وركب في بني آدم كليهما فمن غلب عقله شهوته كان خيرا من الملائكة ومن غلب شهوته عقله فهو شر من البهائم ( جعفري 10 / 215 ) فنوع عاشق مستغرق في عشقه فهو كعيسى عليه السلام قد انمحت عنه البشرية وأُلحق بالملائكة ، إنه حقيقة على هيئة الإنسان ، لكنه نجا من أسوأ ما في الإنسان من حرص وهوى وغضب وجدال ، إنه حي بالعيان والمشاهدة ، لقد انتفت صفاته البشرية بالرياضة والزهد ، حتى صارت العبادة غذاء له كالملائكة . . أما النوع الثاني فهو على النقيض تماما من النوع الأول فقد ألحق بالأدنى ، أُلحق بالحيوان ، لأن الناحية الحيوانية قد تغلبت عليه فهو غضب محض وشهوة